شهدت العلاقات السورية–الإسرائيلية منذ حرب حزيران/ يونيو 1967 سلسلة من المحاولات التفاوضية التي لم تُفضِ حتى اليوم إلى إبرام اتفاق سلام شامل بين الطرفين. فبعد احتلال إسرائيل هضبة الجولان السورية عام 1967، أصبح استرجاع هذه الأرض شرطاً مركزياً في أي مقاربة سورية لمسألة السلام. وعلى مدى العقود اللاحقة، جرت مفاوضات مباشرة وغير مباشرة في مراحل متعددة، بدءاً من اتفاق فضّ الاشتباك عام 1974، مروراً بمؤتمر مدريد عام 1991 ومباحثات واشنطن في التسعينيات، ثم قمة شيبردزتاون عام 2000 والوساطة التركية عام 2008، وصولاً إلى جهود غير مباشرة عبر تركيا توقفت مع اندلاع الثورة السورية عام 2011. يستعرض التقرير هذه المحطات التفاوضية وسياقاتها ونتائجها، ويحلّل أسباب تعثرها المستمر، مع إبراز خصوصية المسار السوري مقارنة بمساري السلام المصري والأردني.
ما بعد حرب 1967: الصمت المسلّح وغياب المفاوضات
شكّلت هزيمة يونيو/حزيران 1967 نقطة تحوّل مفصلية في الصراع العربي–الإسرائيلي، مع إعلان إسرائيل سيطرتها على مرتفعات الجولان، إلى جانب الضفة الغربية وقطاع غزة وشبه جزيرة سيناء. في أعقاب الحرب، تبنّى الموقف العربي الرسمي، بما في ذلك سوريا، ما عُرف بـ«لاءات الخرطوم الثلاث» التي خرجت بها القمة العربية الرابعة عقب هزيمة يونيو/حزيران 1967: لا صلح، ولا اعتراف، ولا مفاوضات مع إسرائيل. وعلى هذا الأساس، رفضت دمشق بشكل قاطع الدخول في أي مفاوضات مباشرة مع إسرائيل بعد الحرب. وتحوّل الجولان، إلى مركز الخطاب الرسمي والسياسي والشعبي في سوريا. تبنّى حزب البعث هذا الخط منذ وصوله إلى الحكم، وكرّسه حافظ الأسد باعتباره شرطاً غير قابل للتفاوض. لم تكن القضية مرتبطة فقط بالسيادة، بل بالمياه، وبالوصول إلى بحيرة طبريا، وبالرمزية السياسية للأرض المحتلة.
تزامن هذا الموقف مع صدور قرار مجلس الأمن رقم 242 في نوفمبر/تشرين الثاني 1967 ، الذي نص على انسحاب القوات الإسرائيلية من الأراضي التي خسرتها سوريا عقب حرب 1967 مقابل اعتراف متبادل بحق جميع دول المنطقة في العيش بسلام ضمن حدود آمنة ومعترف بها. غير أن الدولة السورية ذات التوجه البعثي القومي آنذاك، رفضت القرار، معتبرة أنه لا ينص صراحة على الانسحاب الكامل من الأراضي المحتلة، ويضع الطرف المعتدي والطرف المعتدى عليه على قدم المساواة. في المقابل، قبلت إسرائيل القرار من حيث المبدأ، لكنها تبنّت تفسيراً قانونياً فضفاضاً لمفهوم الانسحاب، لا يفرض عليها العودة إلى خطوط ما قبل يونيو/حزيران 1967، خصوصاً في القدس الشرقية والجولان، ما أدى إلى تعثّر تطبيقه.
خلال الفترة الممتدة بين 1967 و1973، ساد جمود سياسي شبه كامل في المسار السوري–الإسرائيلي، تخللته توترات واشتباكات محدودة على جبهة الجولان، دون انخراط في أي مفاوضات مباشرة. ومن أبرز المحاولات الدبلوماسية في تلك المرحلة مهمة المبعوث الأممي غونار يارينغ (1967–1971)، التي سعت إلى تقريب وجهات النظر استناداً إلى القرار 242، لكنها فشلت بسبب تمسّك إسرائيل بالتفاوض دون التزام بانسحاب كامل، وإصرار سوريا على رفض أي مسار سياسي لا يضمن مسبقاً استعادة الجولان بالكامل.
في هذا السياق، استقر الوضع على ما يمكن وصفه بـ«صمت مسلّح»، حيث غابت العملية السياسية، مقابل استعداد عسكري متبادل. وواصلت دمشق خلال هذه السنوات إعادة بناء قواتها المسلحة، إلى أن شاركت في أكتوبر/تشرين الأول 1973 في حرب شاملة ضد إسرائيل، وحققت تقدماً ميدانياً محدوداً في الجولان قبل أن تنتهي الحرب دون حسم نهائي.
اتفاق فكّ الاشتباك 1974: ترتيب عسكري بوساطة دولية
صدر قرار مجلس الأمن رقم 338 ليشكّل الإطار القانوني لإنهاء حرب أكتوبر/تشرين الأول 1973، رابطاً بين وقف القتال وإعادة تفعيل مسار التسوية السياسية على أساس القرار 242. وفي أعقاب الحرب، تدخلت الدبلوماسية الدولية لمنع تجدد القتال على الجبهة السورية–الإسرائيلية، وقاد وزير الخارجية الأميركي هنري كيسنجر جولات «الدبلوماسية المكوكية» بين دمشق وتل أبيب، انتهت بتوقيع اتفاق فكّ الاشتباك في جنيف 31 أيار/مايو 1974. من قبل رئيسي أركان الجيشين السوري والإسرائيلي، ونصّ على الفصل بين القوات وتثبيت وقف إطلاق النار استناداً إلى القرار 338. وبموجبه، انسحبت إسرائيل من بعض المناطق التي احتلتها عام 1973، أبرزها مدينة القنيطرة، مقابل إنشاء منطقة عازلة منزوعة السلاح تحت إشراف قوات الأمم المتحدة لمراقبة فضّ الاشتباك (UNDOF). أعاد الاتفاق لسوريا شريطاً ضيقاً من الأراضي ووفّر هدوءاً نسبياً على جبهة الجولان، من دون معالجة القضايا الجوهرية للصراع، وفي مقدمتها الوضع النهائي لهضبة الجولان أو الانتقال إلى تسوية سلام شاملة.
من المنظور السوري، شكّل الاتفاق وسيلة لتثبيت نتائج الحرب وتهدئة الجبهة وإعادة ترتيب الأوضاع الداخلية، فضلاً عن تعزيز موقع حافظ الأسد إقليمياً إذ أن حالة الحرب مع إسرائيل استُخدمت داخلياً لتبرير استمرار قانون الطوارئ وقمع المعارضة. في المقابل، فيما نظرت إليه إسرائيل بوصفه ترتيباً أمنياً مؤقتاً يضمن استقرار حدودها الشمالية ويتيح لها التركيز على المسار المصري.
وفي عام 1981، فرضت إسرائيل قوانينها على هضبة الجولان في خطوة أحادية الجانب لم تحظَ باعتراف دولي. ورغم الإدانة السورية، استمر الالتزام العملي بترتيبات فكّ الاشتباك، مع بقاء المطالبة السياسية باستعادة الجولان كاملاً.
مرحلة مدريد وما بعدها (1991–1996): مسار المفاوضات الثنائية
شكّلت نهاية الحرب الباردة وحرب الخليج الثانية عام 1991 سياقاً دولياً جديداً دفع الولايات المتحدة إلى إطلاق عملية سلام شاملة في الشرق الأوسط. وافق الرئيس السوري على الانخراط في المسار السياسي الذي دُشّن بمؤتمر مدريد للسلام في أكتوبر/تشرين الأول 1991، برعاية مشتركة من الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي (الذي كانت روسيا قد خلفته عملياً في تلك المرحلة). جاء هذا القرار بعد ضغوط أميركية مكثفة، في ظل تردد سوري حيال فكرة التفاوض المباشر مع إسرائيل.
مثّل مؤتمر مدريد إطاراً افتتاحياً للعملية السلمية، وأُسّس على مبدأ «الأرض مقابل السلام» ومرجعية قراري مجلس الأمن 242 و338. بعده، انطلقت مسارات تفاوضية ثنائية منفصلة بين إسرائيل وكل من سوريا، ولبنان والأردن والفلسطينيين. ارتبط هذا النهج بقناعة إسرائيلية بأن التفاوض المنفرد يمنحها تفوقاً تفاوضياً ويُضعف إمكانية تشكّل موقف عربي موحّد. ورغم تحفّظ سوريا على هذا التفكيك، قبلت الانخراط فيه في ظل التحولات الدولية وتكريس الدور الأميركي.
وفي هذا السياق، بدأت المفاوضات السورية–الإسرائيلية الثنائية المباشرة في واشنطن أواخر عام 1991، واستمرت عبر جولات متعددة خلال الأعوام اللاحقة. تركزت على قضايا جوهرية، أبرزها: نطاق الانسحاب الإسرائيلي من هضبة الجولان، ولا سيما مسألة العودة إلى خطوط الرابع من حزيران/يونيو 1967؛ الترتيبات الأمنية، بما في ذلك إنشاء مناطق منزوعة أو محدودة السلاح؛ طبيعة العلاقات السلمية المستقبلية بين الطرفين؛ إضافة إلى قضايا المياه والحدود. ورغم بطء التقدم في المراحل الأولى، شهد المسار اختراقاً مهماً في منتصف التسعينيات.
وافقت حكومة رئيس الوزراء الإسرائيلي إسحق رابين، عبر قنوات الوساطة الأميركية، على مبدأ الانسحاب الكامل من الجولان حتى خطوط الرابع من حزيران 1967، مقابل تلبية سوريا لمتطلبات أمنية إسرائيلية والدخول في عملية تطبيع تدريجي للعلاقات. عُرف هذا الالتزام غير المكتوب باسم «وديعة رابين»، وشكّل أساساً لمفاوضات أكثر كثافة خلال عامي 1995 و1996. وتشير شهادات أعضاء فريق التفاوض السوري، ومنهم السفير وليد المعلم، إلى أن جولات مكثفة عُقدت في ولاية ميريلاند أواخر عام 1995 حققت تقدماً ملحوظاً مقارنة بما سبقها. كما جرى التوافق، برعاية أميركية، على إطار زمني طموح يهدف إلى التوصل إلى اتفاق إطار بحلول يونيو/حزيران 1996، وصياغة معاهدة سلام نهائية في سبتمبر من العام نفسه.
أدّى اغتيال إسحق رابين في نوفمبر/تشرين الثاني 1995 إلى اضطراب المسار التفاوضي، ومع تولي شمعون بيريز رئاسة الحكومة والدعوة إلى انتخابات مبكرة في ربيع 1996 دخلت العملية السياسية مرحلة تعليق تزامنت مع تصاعد العمليات التفجيرية وتجميد المفاوضات. وبعد فوز بنيامين نتنياهو في انتخابات 1996، دخل المسار السوري–الإسرائيلي في جمود شبه كامل بفعل رفض الحكومة الجديدة للانسحاب الكامل من الجولان وغياب أي اندفاع تفاوضي تجاه دمشق، لتنتهي بذلك مرحلة المفاوضات النشطة الأولى دون اتفاق، رغم الاقتراب من صيغة تفاهم غير مكتوبة، وتُستعاد هذه المرحلة لاحقاً بوصفها فرصة ضائعة ارتبط فشلها بتغير القيادة السياسية في إسرائيل وتصاعد التوترات الأمنية آنذاك.
قمة شيبردزتاون 2000: المحاولة الأخيرة في عهد الأسد
بعد ثلاث سنوات من الجمود، أعاد وصول حزب العمل إلى السلطة في إسرائيل عام 1999 إحياء الآمال باستئناف المسار السوري–الإسرائيلي. فقد أبدى رئيس الوزراء الجديد إيهود باراك استعداده لاستئناف المفاوضات من حيث توقفت عام 1996، وهو ما يورده إيتامار رابينوفيتش في كتابه The Brink of Peace بوصفه محاولة لالتقاط «الفرصة الأخيرة» قبل تغيّر موازين السياسة الداخلية الإسرائيلية.
في المقابل، كان الوضع الصحي للرئيس السوري يتدهور مع اقترابه من نهاية حكمه الطويل، ما خلق لدى أطراف عدة، ولا سيما الإدارة الأميركية، شعوراً بضرورة حسم ملف السلام قبل وفاته. وفي هذا السياق، رعت الولايات المتحدة في ديسمبر/كانون الأول 1999 لقاءً تمهيدياً في واشنطن جمع وزير الخارجية السوري فاروق الشرع ورئيس الوزراء باراك بحضور الرئيس بيل كلينتون، كما يذكر دينيس روس – المبعوث الأميركي الرئيسي لعملية السلام في الشرق الأوسط خلال إدارتي جورج بوش الأب وبيل كلينتون (1989–2001). – في كتابه The Missing Peace، باعتباره خطوة سياسية تمهيدية أكثر منها تفاوضاً تفصيلياً.
أعقب ذلك عقد جولة مفاوضات مكثفة في منتجع شيبردزتاون بولاية فرجينيا الغربية مطلع عام 2000، شكّلت ذروة الجهود للتوصل إلى اتفاق سلام شامل. وبحسب رابينوفيتش، جرى تنظيم المفاوضات ضمن أربع لجان متخصصة تناولت قضايا الأمن، والحدود، والمياه، والعلاقات السلمية. وأبدى الوفد السوري، برئاسة فاروق الشرع، مرونة ملحوظة في عدد من الملفات، لا سيما في ما يتعلق بالترتيبات الأمنية، حيث ناقش قبول مناطق منزوعة السلاح، وآليات رقابة دولية، وضمانات أمنية لإسرائيل، وهو ما يؤكده أيضاً روس في مذكراته.
غير أن قضية رسم الحدود النهائية سرعان ما برزت كالعقبة الحاسمة. دار الخلاف الأساسي حول موقع خط الرابع من حزيران/يونيو 1967 على الشاطئ الشمالي الشرقي لبحيرة طبريا. تمسكت سوريا، بأن يستعيد هذا الخط ملامسته الكاملة لمياه البحيرة، معتبرة ذلك جزءاً لا يتجزأ من سيادتها التاريخية وحقوقها المائية. في المقابل، طرح باراك انسحاباً يستند إلى خط الحدود الدولية لعام 1923، مع تعديل يُبقي شريطاً ضيقاً بمحاذاة الشاطئ تحت السيطرة الإسرائيلية، وهو ما اعتبرته دمشق انتقاصاً غير مقبول من مبدأ الانسحاب الكامل.
الوساطة التركية 2007–2008: محادثات غير مباشرة
مع تولي بشار الأسد الحكم عام 2000، استمر تعثر المسار التفاوضي السوري–الإسرائيلي في ظل بيئة إقليمية مضطربة، ترافقت مع الانتفاضة الفلسطينية الثانية، والغزو الأميركي للعراق، وتصاعد نفوذ إيران وحزب الله. وأسهمت التطورات المرتبطة بلبنان، ولا سيما بعد اغتيال رفيق الحريري عام 2005، في تضييق هامش الحركة السياسية لسوريا دولياً، ما انعكس على فرص إعادة إطلاق المفاوضات، ليستقر هذا الجمود ضمن معادلة إقليمية طويلة الأمد.
في هذا السياق، برزت تركيا وسيطاً محتملاً، مستفيدة من علاقاتها الجيدة مع دمشق وتل أبيب. وشهد عامَا 2007 و2008 محادثات غير مباشرة بين ممثلين سوريين وإسرائيليين، جرت تحت إشراف مباشر من القيادة التركية. بحسب الروايات الأميركية والتركية، قدّمت دمشق عبر الوسيط التركي ورقة تفاوضية تضمنت استعداداً لمناقشة ترتيبات أمنية موسعة في الجولان بعد الانسحاب، شملت مناطق منزوعة السلاح وآليات إنذار مبكر وتعاوناً أمنياً محدوداً، مقابل التزام إسرائيلي بالانسحاب الكامل إلى خط الرابع من حزيران/يونيو 1967. يشير الدبلوماسي الأميركي الذي شارك مباشرة في محاولات احياء المفاوضات فريديريك هوف في كتابه “السعي إلى القمم”، إلى استعداد القيادة السورية الجديدة لإظهار قدر من المرونة أكبر مما كان عليه الحال في عهد حافظ الأسد، مقابل ضمان استعادة الأرض.
يرى عدد من الباحثين أن هدف بشار الأسد من هذه المحاولة تمثل في كسر العزلة الدولية واستعادة قنوات الاتصال مع الغرب، أكثر من السعي إلى اتفاق نهائي. في المقابل، شاركت حكومة إيهود أولمرت على أمل تحييد الجبهة الشمالية وربما إبعاد سوريا تدريجياً عن تحالفها مع إيران. ورغم التقدم في بلورة إطار عام للمحادثات، انهارت الوساطة في ديسمبر/كانون الأول 2008 عقب عملية «الرصاص المصبوب» على غزة، وما رافقها من توتر إقليمي ونهاية الولاية السياسية لأولمرت، الأمر الذي أفقد المسار أي استمرارية.
ما بعد 2011: نهاية المسار التفاوضي
مع اندلاع الثورة السورية في سوريا عام 2011 وتحولها إلى نزاع مسلح، انتهت عملياً مرحلة المفاوضات السورية–الإسرائيلية. وقبل ذلك بقليل، حاولت إدارة الرئيس الأميركي باراك أوباما إعادة إحياء المسار السوري ضمن مقاربة إقليمية أوسع، فعُيّن السيناتور جورج ميتشل مبعوثاً خاصاً للسلام، وتولى مساعده فريديريك هوف ملف التفاوض مع دمشق. أعدّ هوف عام 2010 مسودة اتفاق استندت إلى «وديعة رابين» بصيغة محدثة، ربطت الانسحاب الإسرائيلي الكامل من الجولان بتغيير السلوك الإقليمي السوري، بما في ذلك فك التحالف مع إيران، ووقف دعم حزب الله وحماس، وطرد قياداتها، إلى جانب التزام متبادل بعدم استخدام القوة واعتبار السلام جزءاً من تسوية عربية أشمل.
أبدى بشار الأسد انفتاحاً مبدئياً على هذه المقاربة عبر قنوات أميركية وأوروبية. ونقل السيناتور جون كيري بعد لقائه الأسد عام 2010 استعداد الأخير لاتفاق يلبي المتطلبات الأمنية الإسرائيلية مقابل انسحاب كامل إلى خط الرابع من حزيران، مع تلميحات إلى قدرة دمشق على ضبط حزب الله في حال توقيع السلام.
غير أن تطورات الداخل السوري أجهضت هذه المحاولة. في أواخر فبراير/شباط 2011 سلّم هوف الأسد النص النهائي المقترح، لكن مع اندلاع الاحتجاجات في مارس/آذار جُمّدت الجهود الدبلوماسية الأميركية، ثم استقال ميتشل في أبريل/نيسان، وتحول الموقف الأميركي إلى المطالبة بتنحي الأسد. مع تفكك الدولة السورية ودخول البلاد في حرب طويلة، توقفت أي إمكانية لاستئناف المفاوضات، وزادت خطوة الاعتراف الأميركي بسيادة إسرائيل على الجولان عام 2019 من تعقيد أي عودة محتملة للمسار، لترسخ حالة اللاسلم واللاحرب في سياق إقليمي أكثر هشاشة.
أسباب فشل المفاوضات وخصوصية المسار السوري
على امتداد أكثر من نصف قرن، تعثّر المسار التفاوضي السوري–الإسرائيلي بفعل مجموعة من العوامل البنيوية والسياسية. في صلب هذه العوامل برزت الأهمية الاستراتيجية لهضبة الجولان، بوصفها منطقة ذات قيمة أمنية ومائية عالية للطرفين. فبالنسبة لسوريا، ارتبطت استعادة الجولان بمسألة السيادة والعمق الأمني والكرامة الوطنية، فيما نظرت إسرائيل إليه كحاجز دفاعي حيوي ومصدر موارد، تعززت أهميته مع ترسّخ الاستيطان فيه.
إلى جانب ذلك، اتسم تطبيق مبدأ «الأرض مقابل السلام» بتباين في الأولويات؛ إذ ركزت دمشق على ضمان الانسحاب الكامل أولاً، بينما أولت إسرائيل أولوية للترتيبات الأمنية والتطبيع التدريجي، ما أفضى إلى فجوة ثقة مستمرة حالت دون بلورة صيغة متوازنة.
وتأثر المسار كذلك بتقلبات الوساطة الأميركية، التي مثّلت عنصر دفع في بعض المراحل وعامل إبطاء في مراحل أخرى تبعاً لتغير الإدارات وأولوياتها الإقليمية، فضلاً عن ربطها أحياناً المسار السوري بحسابات إقليمية أوسع زادت من تعقيد شروط التسوية.
يُظهر تتبّع مسار المفاوضات السورية–الإسرائيلية، منذ ما بعد حرب 1967 وحتى توقفه مع اندلاع أحداث 2011، أن هذا المسار تشكّل ضمن توازنات معقّدة جمعت بين اعتبارات الأرض والأمن، والداخل والخارج، وتقلبات الزمن السياسي. وقد تكرّر عبر مراحله نمط متقارب، تمثّل في اقتراب حذر من التسوية يعقبه تعثّر عند لحظة الحسم، بفعل الخلاف حول الانسحاب من الجولان، والحسابات الداخلية للطرفين، وتبدّل السياقات الإقليمية والدولية. ومع سقوط النظام السوري لاحقاً، انتهت الصيغة التقليدية لهذا المسار، من دون أن تُغلق الأسئلة التي راكمتها عقود التفاوض. إذ أعادت التحوّلات الأخيرة طرح ملف الجولان والسلام ضمن سياق سياسي مفتوح، تتداخل فيه رهانات إعادة بناء الدولة، وإعادة التموضع الإقليمي، وضغوط الفاعلين الدوليين، وفي هذا الإطار، لم تعد العودة إلى المفاوضات امتداداً مباشراً لمسارات التسعينيات أو الألفية الأولى، بل مسألة تتصل بإعادة تعريف موقع سوريا نفسها، وحدود ما يمكن اعتباره سلاماً قابلاً للاستدامة.
رويدة كنعان – باحثة زميلة في تخوم للشؤون السورية الإسرائيلية

